مقالات

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي علاقتنا بالحيوانات؟
في السنوات القليلة الماضية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُستخدم في البرمجة أو تحليل البيانات، بل أصبح قوة ثقافية تُعيد تشكيل وعي الإنسان وصورته عن العالم من حوله. ومن أكثر التحولات إثارة للاهتمام: تغيّر نظرة البشر إلى الحيوانات عبر المحتوى المرئي الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي.
في البداية، انتشرت مقاطع تُظهر القرود وهي تتحدث، تقود السيارات، أو تؤدي أدوارًا بشرية ساخرة. بدا الأمر ترفيهيًا ومضحكًا، لكنه سرعان ما تطوّر ليشمل أنواعًا أخرى من الحيوانات: كلاب تطبخ، تماسيح ترقص، قطط تقدم نشرات أخبار، وكلاب تلعب أدوارًا تمثيلية متقنة. هذا التوسع لم يكن مجرد تسلية رقمية، بل خلق حالة جديدة من التفاعل العاطفي بين الإنسان والحيوان.
العقل البشري يتأثر بالصورة أكثر مما يتأثر بالمعلومة المجردة. عندما يرى الإنسان الحيوان يتحدث ويتفاعل ويُظهر تعبيرات قريبة من السلوك الإنساني، يبدأ اللاوعي في إعادة تصنيفه من “كائن غريزي” إلى “كائن قريب شعوريًا”. ومع تكرار هذه المشاهد، تتشكل علاقة تعاطف جديدة قد تؤدي، على المدى الطويل، إلى تراجع العنف تجاه الحيوانات وارتفاع الحسّ الأخلاقي في التعامل معها.
قد يظهر جيل جديد يرى الحيوان شريكًا في الحياة لا مجرد موردٍ للاستهلاك أو الترفيه أو الصيد. جيلٌ يتعامل مع البيئة بمنطق المسؤولية بدل الهيمنة، ومع الكائنات الحية بروح الرحمة بدل الاستغلال. وهنا يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي حدود التكنولوجيا ليصبح أداة لإعادة صياغة القيم الاجتماعية.
لكن هذا التحول يحمل أيضًا جانبًا يحتاج إلى وعي نقدي. فالحيوانات في الواقع لا تفكر ولا تتحدث كما تظهر في الفيديوهات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي. ما نراه هو إسقاط بشري رقمي، وليس حقيقة بيولوجية. الخطر يكمن في الخلط بين التمثيل الاصطناعي والواقع الطبيعي، مما قد يخلق تصورات غير دقيقة عن سلوك الحيوان واحتياجاته الفعلية.
لذلك، فإن الدور الحقيقي للمؤسسات التعليمية والأكاديمية لا يقتصر على الاحتفاء بالتقنيات الجديدة، بل يمتد إلى توجيه استخدامها بوعي، وتعليم الأجيال كيفية التمييز بين الإبداع الرقمي والواقع العلمي، وبين المتعة البصرية والمعرفة الدقيقة.
الذكاء الاصطناعي لا يغيّر الأدوات فقط، بل يغيّر طريقة تفكير الإنسان، وحدود خياله، وأسلوب تعاطيه مع الحياة من حوله. والسؤال لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟
بل أصبح: كيف سيعيد تشكيل الإنسان نفسه؟